السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

71

مختصر الميزان في تفسير القرآن

يوسف عليه السّلام : ورفع أبويه على العرش وخرّوا له سجدا قال : يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا ( يوسف / 100 ) ، وملخص القول في ذلك أنك قد عرفت في سورة الفاتحة أن العبادة هي نصب العبد نفسه في مقام العبودية وإتيان ما يثبت ويستثبت به ذلك فالفعل العبادي يجب أن يكون فيه صلاحية إظهار مولويّة المولى ، أو عبدية العبد كالسجود والركوع والقيام أمامه حينما يقعد ، والمشي خلفه حينما يمشي وغير ذلك ، وكلما زادت الصلاحية المزبورة ازدادت العبادة تعيّنا للعبودية ، وأوضح الأفعال في الدلالة على عز المولوية وذلك العبودية السجدة ، لما فيها من الخرور على الأرض ، ووضع الجبهة عليها ، واما ما ربما ظنه بعض : من أن السجدة عبادة ذاتية ، فليس بشيء ، فإن الذاتي لا يختلف ولا يتخلف . وهذا الفعل يمكن أن يصدر بعينه من فاعله بداع غير داع التعظيم والعبادة كالسخرية والاستهزاء فلا يكون عبادة مع اشتماله على جميع ما يشتمل عليه وهو عبادة نعم معنى العبادة أوضح في السجدة من غيرها ، وإذا لم يكن عبادة ذاتية لم يكن لذاته مختصا باللّه سبحانه ، بناء على أن المعبود منحصر فيه تعالى ، فلو كان هناك مانع لكان من جهة النهي الشرعي أو العقلي والممنوع شرعا أو عقلا ليس إلّا إعطاء الربوبية لغيره تعالى ، وأما تحية الغير أو تكرمته من غير إعطاء الربوبية ، بل لمجرد التعارف والتحية فحسب ، فلا دليل على المنع من ذلك ، لكن الذوق الديني المتخذ من الاستيناس بظواهره يقضي باختصاص هذا الفعل به تعالى ، والمنع عن استعماله في غير مورده تعالى ، وان لم يقصد به إلّا التحية والتكرمة فقط ، وأما المنع عن كل ما فيه إظهار الاخلاص للّه ، بإبراز المحبة لصالحي عباده أو لقبور أوليائه أو آثارهم فمما لم يقم عليه دليل عقلي أو نقلي أصلا ، وسنعود إلى البحث عن هذا الموضوع في محل يناسبه إنشاء اللّه تعالى « 1 » .

--> ( 1 ) البقرة 34 : بحث روائي حول سجود الملائكة لآدم عليه السّلام .